بسم الله الرحمن الرحيم
الكذب والخيانة في الحديث
الشيخ الداعية :أيمن خميس حماد (أبو أنس)
كثيراً ما يتحدث القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة عن كبيرة من الكبائر ،
وجريمة من الجرائم الاجتماعية ؛ ألا وهي كبيرة الكذب لما لها من أثر خطير على حياة الفرد والمجتمع
فالكذب: جماع كل شر وأصل كل ذم لسوء عواقبه وخبث نتائجه؛ لأنه ينتج عنه النميمة والنميمة تنتج البغضاء والبغضاء تؤول إلى العداوة وليس مع العداوة أمن ولا راحة.
وقد ورد ذمه القرآن الكريم في أكثر من مائتين وأربعين موضعاً فتارة ذكره الله تعالى
-أي الكذب- في بيان افتراء الناس على رب العزة تبارك وتعالى فقال Y: ﴿انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا ﴾النساء 50 وتارة أخرى بيَّن أن الكذب من الصفات الرئيسة لليهود وطباعهم لينفر الناس من هذا السلوك فقال Y : ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ المائدة 42 وتارة بين عاقبة المكذبين بشرعه المخالفين لأمره فقال﴿ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ الأعراف 72 وقد شدَّد النبي في النهي عن هذه الصفة البذيئة ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا. وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله كَذَّابًا». وقوله :إن الكذب يهدي إلى الفجور يعني الخروج عن طاعة الله لأن الإنسان يفسق ويتعدى طوره ويخرج عن طاعة الله إلى معصيته وأعظم الفجور الكفر .
فإن الكفرة فجرة كما قال الله تعالى ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ عبس 42
وقال تعالى ﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ* كِتَابٌ مَّرْقُومٌ* وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ* الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ المطففين 7-11
وقال تعالى ﴿ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ الانفطار 14 فالكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار .فالكذب من كبائر الذنوب لأن الرسول صلى الله عليه وسلم توعده بأنه يكتب عند الله كذاباً
وإنّ من أعظم الكذب ما يفعله الناس اليوم يأتي بالمقالة كذباً لكن من أجل أن يضحك الناس وقد توعد النبي -صلى الله عليه وسلم-الكاذب بالويل وإن كان مازحاً ففي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود عن بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « وَيْلٌ لِلَّذِى يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ ».
وقد وعد صلى الله عليه وسلم التارك للمزح ببيت في الجنة كما في الحديث الحسن الذي رواه أبو داود في سننه عَنْ أَبِى أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِى رَبَضِ الْجَنَّةِ – طرفها - لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِى وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِى أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ »
ومن أكثر الأشياء شدة في الكذب أن يكذب ويحلف ليأكل أموال الناس بالباطل مثل أن يدعي عليه بحق ثابت فينكر ويقول والله مالك على حق أو يدعي ما ليس له فيقول لي عندك كذا وكذا وهو كاذب فهذا إذا حلف على دعواه وكذب فإن ذلك هو اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم ثم تغمسه في النار والعياذ بالله .ففي الحديث الذي رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ« قَالَ ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ».
وإن من أخطر الأمور هو الخيانة في الحديث لأخيك المسلم وأنت تحدثه ،وهو يستمع إليك بأذنه قلبه لا بأذن رأسه ،قد أمن جانبك وصدًّق حديثك،وربما عمل بقولك ،والتزم كلامك ،ثم تكون له خائن وفي حديثك معه كاذب، فقد عدّ ذلك صلى الله عليه وسلم من الخيانة الكبرى من المسلم في حق أخيه المسلم.ففي الحديث عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدٍ الْحَضْرَمِىِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ ».
للكذب آفات وأضرار متوالية في الليل والنهار لا تنتهي إلى أن تقود صاحبها إلى النار، من هذه العقوبات والآفات:
1- انعدام الراحة والأمن: عن أبي الحوراء السعدي قال: قلت للحسن بن علي: ما حفظت من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ؟ قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم : « دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ ». معنى ذلك: أن الكذب شك واضطراب قلق وإزعاج وانعدام طمأنينة النفس عدم هدوء البال وانشراح الصدر.
2- الكذب يمرض القلب: الكذب يؤدي إلى مرض القلب والقلب المريض لا يشعر بالاطمئنان والسكينة ونجد ذلك بوضوح في قوله تعالى:﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾[البقرة: 8 - 10].
فالكاذب مريض القلب؛ لأن الكذب نقيض الصدق والصدق يهدي إلى البر والكذب يهدي إلى الفجور والإنسان الفاجر يحيا في الآلام النفسية بما تصوره له نفسه الأمارة بالسوء على أنه سعادة.
3- دنيا الكذاب جحيم: قال الإمام ابن القيم: لا تحسب أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ الانفطار 13-14 مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط بل في دُورهم الثلاثة كذلك، أعني دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار، فهؤلاء في نعيم وهؤلاء في جحيم، وهل النعيم إلا نعيم القلب، وهل العذاب إلا عذاب القلب ؟!
وأي عذاب أشد من الخوف والهم والحزن وضيق الصدر وإعراضه عن اللَّه والدار الآخرة وتعلقه بغير اللَّه وانقطاعه عن اللَّه بكل وادٍ منه شعبة وكل شيء تعلق به وأحبه من دون اللَّه فإن يسومه سوء العذاب فكل من أحب شيئًا غير اللَّه عُذب به ثلاث مرات ، وصدق اللَّه إذ يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ طه 124.
4- زوال البركة والنماء: عن حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذاب وكتما مُحقت بركة بيعهما».
المعنى: إن كتما وكذبا: كتم البائع وأخفى عيوب السلعة فكذب وحلف بالأيمان المغلظة بأن سلعته سليمة وذكر ثمنًا مرتفعًا جدًّا لا تستحقه السلعة وكذب المشتري بأن أعطى البائع ثمن أقل ما تستحقه هذه السلعة مستغلاً صدق البائع نتيجة الكذب: ترتب على الكذب في البيع والشراء زيادة في الثمن أو زيادة في المبيع فإنه سحت والعياذ بالله لأنه مبني على الكذب والكذب باطل وما بني على باطل فهو باطل.
بسبب شؤم التدليس والخداع والكذب: يزيل اللَّه عز وجل بركة هذا البيع وبركة المكسب فترى الكذاب يزداد ربحه ولكن لا بركة فيه فيضيعه فيما لا فائدة فيه ولا يبارك اللَّه في حياته ولا أهله ولا أولاده.
فحري بنا أيها الأخوة المؤمنون الصادقون أن نبتعد عن هذه الصفة التي رفض النبي r للمسلم أن يتصف بها بأي شكل من الأشكال لحديث صفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا ؟ قَالَ: " نَعَمْ " قِيلَ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا ؟ قَالَ: " نَعَمْ " فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا ؟ قَالَ: " لَا "».
أسأل الله لي ولكم أن نكون ممن استجاب لنداء الجبار تبارك وتعالى لما نادى أهل الإيمان فقالY ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.