والإجـازة جـاءت
الشيخ الداعية : محمد كمال الأفغاني
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، r.. أما بعــد:
فقد جاءت الإجازة الصيفية والشباب في قضاء أيامها ولياليها متفاوتون، ولما كانت الإجازة الصيفية تختص غالباً بطلاب المدارس والجامعات وكان أغلبهم من الشباب والشابات كان الاعتناء بهذه المرحلة العمرية الخطيرة أهم؛ لأنه بصلاح الشباب تصلح المجتمعات، وبفسادهم تفسد.
أخي الحبيب:هل أدركت أن الإجازة نعمة من الله لك لترتاح فيها من تعب الدراسة؟ ولتغير جواً جديداً يعينك على مواصلة الدراسة في المراحل القادمة؟ وذلك أن الدراسة الدائمة تبعث على الملل والخمول، فلما كانت الإجازة هدفها عظيم وهي محسوبة عليك من أيام عمرك التي ستسأل عنها، كما قال النبي r (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه).
لما كان الأمر كذلك يحسن بك استغلال إجازتك فيما يعود عليك وعلى أمتك ومجتمعك بالخير والنفع، واحذر أن تمر بك سدى وهملاً.. بل أخطر من ذلك: احذر أن تمر وأنت إلى المعاصي مسارع، وعن الطاعات هارب وشارد.
أخي الكريم: من هنا تعلم أن الإجازة فرصة جديدة من الفرص التي ينبغي علي وعليك الانتفاع بأيامها ولياليها ما دمت مسلماً مؤمناً بالله تعالى إلها وربا لا اله الا هو ونبيه محمد r رسولا وقائدا ومعلما فسارع إلى رضوان الله، وذلك بفعل ما يقربك منه، وأعظم ما يمكن أن تتقرب به إلى ربك في الإجازة هو الالتحاق في قافلة طلب العلم الشرعي، ولا بأس من إفراد أجزاء من وقت يومك أو ليلتك لتعلم العلوم الأخرى، كدورات الكمبيوتر، أو الالتحاق بمعاهد اللغات التي تتعلم فيها لغة أمة من الأمم، فتفيد بذلك نفسك وأمتك.. والمهم التركيز على العلم الشرعي الذي يقربك من الله تعالى، وما أجمل أن تفكر في الالتحاق بالدورات والمراكز الصيفية التي تقام في كثير من المساجد والمدارس والمراكز، والتي يحضرها جمعٌ من أهل العلم والدعاة إلى الله -عز وجل-. وهل سمعت قول الله عز وجل لنبيه r ولكل من اتبعه: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ. ما معنى هاتين الآيتين يا ترى؟ لندع الإمام ابن كثير يبين لنا معناها، يقول -رحمه الله-: (أي إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها وقطعت علائقها فانصب إلى العبادة، وقم إليها نشيطاً فارغ البال، وأخلص لربك النية والرغبة..)
وأنت أخي الكريم: إذا فرغت من الدراسة وامتحانات العام وسهرها وهمها، فانصب إلى طلب العلم الذي هو من أعظم العبادات، كما قال رسول الله r (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة..)
واعلم أنه ليس في حياة المسلم العاقل وقت للفراغ والضياع، بل إن أنفاسه محسوبة، ولحظاته معدودة، وأيامه ولياليه مسؤول عنها.
ويأسف الإنسان عندما يسمع بعض الشباب -هداهم الله- يقول بعضهم لبعض: تعال بنا نقضي وقتنا في كذا وكذا!. فيذهبون إلى اللعب الدائم الذي يضيعون فيه شبابهم وزهرة عمرهم، وليس من الممنوع أن يقضي الشاب بعض وقته في الرياضية واللعب المباح الذي لا يشتمل على منكرات، كلعب الكرة، أو التمارين الرياضية المختلفة، أو التدرب على كمال الأجسام وتقويتها، ولكن لا يأخذ ذلك جُلَّ وقته، بل ينبغي أن يخصص لها وقتاً محدداً من اليوم، ويقصد بها وجه الله تعالى.
أخي الحبيب:ننصحك من قلب مشفقٍ عليك بأن تستغل وقت إجازتك في الدورات العلمية والتربوية. تلك الدورات التي تستفيد فيها شيئاً من العلوم الشرعية، وتحفاً من الآداب المرعية، فما أجملك وأحسنك عندما تتحلى بالعلم الشرعي! وتتسلح بالمعرفة الحقيقية، التي تستعين بها على نوائب الزمن، وتقلبات الحياة.
لو لم يكن في طلبك للعلم الشرعي إلا أنه نور لك في الحياة، ونجاة من الفتن والشهوات والشبهات، وزينة لك بين العباد لكان ذلك عظيماً، فكيف وهو سبب نجاتك يوم القيامة إن أخلصت فيه لله! وكيف وهو طريقك إلى الجنة، ورافع درجاتك يوم القيامة عند الله رب العالمين؛ كما قال الله سبحانه وتعالى(( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ )) .
ثم إن التحاقك بهذه الدورات يعينك على الجلوس مع أقوام صالحين يذكرون الله ويتدارسون كتاب ربهم وسنة نبيهم، فتكون ممتثلاً لقول الله عز وجل: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً. وقول النبي r (.. وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده).
واستغلالك للإجازة بتعلم العلم الشرعي يحجزك عن رفقاء السوء، الذين يسعون إلى هلاكك وضياع مستقبلك، وأنت تعلم أن الإنسان يندم أشد الندم يوم القيامة إذا كان له أصدقاء في الحياة الدنيا صدوه عن اتباع رسول الله r والاهتداء بشرعه، وقد بين الله موقف الجاهل المغرور الذي صاحب الأشرار في الدنيا كيف يكون ندمه، وكيف تبلغ به الحسرات! فقال الله عز وجل (( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً ( ) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً )) فمن هذه الممارسات الخاطئة في العطل هي تلكم العادات المقيتة وذلكم الانقلاب المشين في النظرة إلى الناموس الكوني بالنسبة لليل والنهار؛ إذ أننا نرى ممارسات جماهير الناس تكمُن بداهة باديَ العطلة في انقلاب الليل نهاراً والنهار ليلاً، فتجد نهارهم في دُجنة وليلهم جهورياً، وألذَّ ما عندهم سمرَ العشاق أو شغل المشغولين بالفراغ.
تجد عبادتهم نزراً، وغوايتهم غمراً، يقضون الليل في القيل والقال، والضجيج والطنين، والعزف والطرب، فيصعقون الأسماع، ويخطفون الأبصار، حتى تمتد ألوان لهوهم إلى أوقات متأخرة من الليل، ولسان حالهم يقول: يا ليل هل لك من صباح أم هل لنجمك من براح؟ ضل الصباح طريقه، والليل ضل عن الصباح، فلا يرخي الليل سدوله إلا وقد جر اللهو ذيوله.
وبذلك كله تفتقد النعمة العظمى التي جعل الله بها الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشوراً، وبذلك أيضاً تُفتقد القشعريرة في استشعار نعمة الله تعالى علينا في تعاقب الأجدَّين وهما الليل والنهار، كما في قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
نسأل الله لنا ولكم حياة طيبة، وميتة حسنة، ومردّاً غير مخزٍ ولا فاضحٍ.
والحمد لله رب العالمين..