بسم الله الرحمن الرحيم
الظلم
الشيخ الداعية :أيمن خميس حماد (أبو أنس)
كثيراً ما نسمع كلمة الظلم هذه الأيام ،وفي كل مرة نسمعها تقشعر لها أبداننا ؛لأننا نعلم ما تحمله هذه الكلمة من معان قاسية ،نعلم أن خلفها جُرح لم يندمل ،خلفها ألم أرَّق صاحبه ،خلفها آهات وصرخات يصدح بها المظلوم ،نرى معها دموع حارة تسيل على الوجنات تكاد تحرقها. وعلى الرغم من كل هذه المشاهد الصعبة ،والأحاسيس المؤلمة التي نشعر بها – ولكن وآ أسفاه للحظات – إلاًّ أننا نُصِّر على ممارسة الظلم بجميع أشكاله.
لذلك كله حرَّم الله الخالق الجبار المتكبر على نفسه الظلم ،حرَّمه على نفسه لعبيده وهو خالقهم من العدم ،حرّمه على نفسه وهو القاهر فوق عباده، وحرَّمه كذلك على عبيده ففي الحديث الصحيح عَنْ أَبِى ذَرٍّ t عَنِ النَّبِىِّ r فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ « يَا عِبَادِى إِنِّى حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِى وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا» رواه مسلم.وقد أكد مولانا على أن عاقبة الظلم وخيمة فقالY ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ*مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء*وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ*وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾.
إن المتأمل للآيات الكريمة يجد أن الله جل وعلا قد حذّر من الظلم أشد التحذير وبيّن عاقبة الظلم الوخيمة ،ومهما ظن الناس أن الظالمين قد استبدوا وطغوا إلا أن الحقيقة أن الله يمهلهم كما في الحديث عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :"إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ قَالَ ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾" رواه البخاري
حبس الرشيد أبا العتاهية الشاعر فكتب إليه من السجن هذين البيتين شعرا :
أما و الله إن الظلم شوم ... و ما زال المسيء هو المظلوم
ستعلم يا ظلوم إذا التقينا ... غدا عند المليك من الملوم
فاحرص أخي الحبيب على ألا تظلم الناس شيئاً وإن كان في ميزانك صغيراً وحقيراً لحديث رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،الذي يَقُولُ فيه: " يَوْمَ يُحْشَرُ الْعِبَادُ - أَوْ قَالَ: النَّاسُ - حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عَلَيْهِ مَظْلِمَةٌ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مَنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلِأَحَدٍ مَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَةَ " قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عُرَاةً حُفَاةً غُرْلًا بُهْمًا، قَالَ: " بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ " " حسنه الشيخ الألباني.
واعلم أن دعوة المظلوم مستجابة،وليس بينها وبين الله حجاب لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الْغَمَامِ وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ ..." أخرجه الإمام الترمذي في سننه وصححه الشيخ الألباني.
لذلك كان الصالحون يخشون من دعوة المظلوم فيقول يزيد بن حكيم : ما هبت أحدا قط هيبتي رجلا ظلمته و أنا أعلم أن لا ناصر له إلا الله يقول لي : حسبي الله : الله بيني و بينك . فهذا المظلوم- الذي لا عشيرة له ولا تنظيم له ولا واسطة ولا ظهر –هو من ينبغي أن يخشاه الإنسان –لا من يملك السلطة والسطوة والمال- فالمظلوم هو من ينبغي أن يحسب الإنسان له ولدعوته ألف حساب لأنه سيرفع أكف الضراعة إلى الله عز وجل ويدعو عليك في ظلام الليل لذلك أنشد أحدهم قائلاً :
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً ... فالظلم يرجع عقباه إلى الندم
تنام عيناك و المظلوم منتبه ... يدعو عليك و عين الله لم تنم
لذلك من الواجب رفع الظلم عن المظلوم بقدر المستطاع لأن في ذلك نصرة لك في وقت الحاجة لحديث جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبَا طَلْحَةَ بْنَ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولَانِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ" .رواه أبو داود وحسنه الشيخ الألباني
ولا بد من نصرة المظلوم لأن في عدم نصرته المذلة يوم القيامة ففي الحديث عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:" مَنْ أُذِلَّ عِنْدَهُ مُؤْمِنٌ فَلَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْصُرَهُ أَذَلَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" رواه أحمد
ولابد أن يشعر بألم المظلومين من ذاق مرارة الظلم ،وتجرع غصصه لأنه مرَّ بمثل هذه التجربة المريرة ومما ذكر في هذا المقام أن كسرى اتخذ مؤدبا لولده يعلمه و يؤدبه حتى إذا بلغ الولد الغاية في الفضل و الأدب استحضره المؤدب يوما و ضربه ضربا شديدا من غير جرم و لا سبب فحقد الولد على المعلم إلى أن كبر و مات أبوه فتولى الملك بعده فاستحضر المعلم و قال له : ما حملك على أن ضربتني في يوم كذا و كذا ضريا وجيعا من غير جرم و لا سبب فقال المعلم : اعلم أيها الملك أنك لما بلغت الغاية في الفضل و الأدب علمت أنك تنال الملك بعد أبيك فأردت أن أذيقك ألم الضرب و ألم الظلم حتى لا تظلم أحدا فقال : جُزيت خيرا ثم أمر له بجائزة و صرفه