بسم الله الرحمن الرحيم
سلامة الصدر من الأحقاد
الشيخ الداعية أيمن خميس حماد
--------------------------------------------
ليس أروح للمرء ? ولا أطرد لهمومه ? ولا أقر لعينه من أن يعيش سليم القلب ? مبرأ من وساوس الضغينة ? وثوران الأحقاد. إذا رأى نعمة تنساق إلى أحد رضى بها ? وأحس فضل الله فيها وفقر عباده إليها ? وذكر قول رَسُولِ اللَّهِ r مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ.."أخرجه أبو داود في سننه. وإذا رأى أذى يلحق أحدا من خلق الله رثى له ? ورجا الله أن يفرج كربه ويغفر ذنبه ? وذكر مناشدة الرسول ربه:
إِنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ مَا أَلَمَّا
وبذلك يحيا المسلم ناصع الصفحة ? راضياً عن الله وعن الحياة ? مستريح النفس من نزعات الحقد الأعمى ?
ونظرة الإسلام إلى القلب خطيرة ? فالقلب الأسود يفسد الأعمال الصالحة ويطمس بهجتها ويعكر صفوها. أما القلب المشرق فإن الله يبارك في قليله ? وهو إليه بكل خير أسرع: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ r "أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ قَالَ كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ قَالُوا صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ قَالَ هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ وَلَا غِلَّ وَلَا حَسَدَ" أخرجه ابن ماجه في سننه وصححه الألباني. ومن ثم كانت الجماعة المسلمة حقاً هي التي تقوم على عواطف الحب المشترك ? والود الشائع ? والتعاون المتبادل ? والمجاملة الدقيقة ? لا مكان فيها للفردية المتسلطة الكنود ? بل هي كما وصف القرآن]وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر10 .
كثيرا ما تطيش الخصومة بعقول أصحابها ? فتتدلى بهم إلى اقتراف الصغائر المسقطة للمروءة والكبائر الموجبة للعنة الله وغضبه ? وقد يذهب بالإنسان الحقد إلى التخيل وافتراض الأكاذيب وذلك كله مما رفضه الإسلام وحذَّر من وقوعه ?
وجعل منعه من أفضل القربات . قال رسول الله r: " دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكُمْ لَكُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ "أخرجه الترمذي في سننه وحسنه الألباني.
ربما عجز الشيطان أن يجعل من الرجل العاقل عابد صنم. ولكنه وهو الحريص على إغواء الإنسان وإيراده المهالك لن يعجز عن المباعدة بينه وبين ربه ? حتى يجهل حقوقه أشد ما يجهلها الوثني المخرّف ? وهو يحتال لذلك بإيقاد نيران العداوة في القلوب . فإذا اشتعلت استمتع الشيطان برؤيتها وهى تحرق حاضر الناس ومستقبلهم ? وتلتهم علاقاتهم وفضائلهم : عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ" إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ " رواه مسلم . ذلك أن الشر إذا تمكن من الأفئدة ارتد الناس إلى حال من القسوة والعناد ? يقطعون فيها ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض . وقد تيقظ الإسلام لبوادر الجفاء ? فلاحقها بالعلاج ? قبل أن تستفحل وتستحيل إلى عداوة فاجرة ? والمعروف أن البشر متفاوتون في أمزجتهم وأفهامهم ? وأن التقاءهم في ميادين الحياة قد يتولد عنه ضيق وانحراف ? إن لم يكن صدام وتباعد.
لا شك أنه قد يحدث أن يشعر الإنسان بإساءة موجهة إليه ? فيحزن لها ويضيق صدره بها ? ويعزم على قطع صاحبها . ولكن الله لا يرضى أن تنتهي الصلة بين مسلم ومسلم إلى هذا المصير . ففي الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ" لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ " وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ" لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ" .وفى رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ "لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلَاثٍ فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلَاثٌ فَلْيَلْقَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ فَقَدْ اشْتَرَكَا فِي الْأَجْرِ وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالْإِثْمِ زَادَ أَحْمَدُ وَخَرَجَ الْمُسَلِّمُ مِنْ الْهِجْرَةِ" وهذا التوقيت فترة تهدأ فيها الحدة وينطفئ الغضب ? ثم يكون لزاماً على المسلم بعده أن يواصل إخوانه ? وأن يعود معهم سيرته الأولى ? كأن القطيعة غيمة ? ما إن تجمعت حتى هبت عليها الريح فبددتها ? وصفا الأفق بعد عبُوس .لذلك يجب عليه أن يلين ويسمح ? وأن يمسح أخطاء الأمس بقبول المعذرة ? عندما يجىء له أخوه معتذراً ومستغفراً ? ورفض الاعتذار خطأ كبير . وفى الحديث عَنْ جُودَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r"مَنْ اعْتَذَرَ إِلَى أَخِيهِ بِمَعْذِرَةٍ فَلَمْ يَقْبَلْهَا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ خَطِيئَةِ صَاحِبِ مَكْسٍ "المكس/الضريبة والجباية التي تؤخذ بغير حق.أخرجه ابن ماجه في سننه وضعفه الشيخ الألباني. وبهذا الإرشاد المبين للطرفين جميعاً يحارب الإسلام الأحقاد ? ويقتل جرثومتها في المهد ? ويرتقى بالمجتمع المؤمن إلى مستوى رفيع ? من الصداقات المتبادلة ? أو المعاملات العادلة. وقد اعتبر الإسلام من دلائل الصغار وخسة الطبيعة ?أن يرسب الغل في أعماق النفس فلا يخرج منها ? بل يظل يموج في جوانبها كما يموج البركان المكتوم.
وكثير من أولئك الذين يحتبس الغل في قلوبهم يتلمسون متنفساً له في وجوه من يقع معهم ؛ فلا يستريحون إلا إذا أرغوا وأزبدوا ? وآذوا وأفسدوا . والأصناف التي أحصاها هذا الحديث ? أمثلة لأطوار الحقد عندما تتضاعف علته وتفتضح سوأته ? فالافتراء على الأبرياء جريمة ? يدفع إليها الكره الشديد ? ولما كان أثرها شديداً في تشويه الحقائق ? وجرح المستورين ? عدَّها الإسلام من أقبح الزور. روت عائشة أن رسول الله r قال لأصحابه: "أتدرون أربى الربا عند الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؟ قال: فإن أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم ? ثم قرأ رسول الله : ]وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً [الأحزاب58. ولا شك أن تلمس العيوب للناس ? وإلصاقها بهم عن تعمد يدل على خبث ودناءة ? وقد رتب الإسلام عقوبات عاجلة لبعض جرائم الافتراء وما يبيت في الآخرة لصنوف الافتراء كلها أشد وأنكى . قال رسول الله: "من ذكر امرأً بشيءٍ ليس فيه ? ليعيبه به ? حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاد ما قال فيه " . وفى رواية: "أيما رجل أضاع على رجل مسلم كلمة ? وهو منها بريء ? يشينه بها في الدنيا ? كان حقا على الله أن يُذيبه يوم القيامة فى النار ? حتى يأتى بنفاد ما قال ". وما دام الذي قاله بهتانا ? فكيف يستطيع أن يثبت عن الله باطلا؟ وكيف يتنصل من تبعته؟ إن سلامة الصدر تفرض على المؤمن أن يتمنى الخير للناس ? إن عجز عن سوقه إليهم بيده. أما الذي لا يجد بالناس شرّاً فينتحله لهم انتحالا ? ويزوره عليهم تزويرا فهو أفاك صفيق . قال الله عز وجل: "إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون" . ومتفضل الله على العباد : أنه استحب ستر عيوب الخلق ? ولو صدق اتصافهم بها.
وما يجوز لمسلم أن يتشفى بالتشنيع على مسلم ولو ذكره بما فيه فصاحب الصدر السليم يأسى لآلام العباد ? ويشتهى لهم العافية ? أما التلهِّى بسرد الفضائح ? وكشف الستور ? وإبداء العورات ? فليس مسلك المسلم الحق. ومن ثم حَرَّم الإسلام الغيبة ? إذ هى متنفس حقد مكظوم ? وصدر فقير إلى الرحمة والصفاء . عن أبى هريرة أن رسول الله قال: "أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم ! قال ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أرأيت إن كان فى أخى ما أقول؟. قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ? وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته ومن آداب الإسلام التى شرعها لحفظ المودات ? واتقاء الفرقة ? تحريم النميمة ? لأنها ذريعة إلى تكدير الصفو وتغيير القلوب وقد كان النبى ينقى أن يُبلغ عن أصحابه ما يسوءه ? قال: "لا يُبلغنى أحد منكم عن أحد من أصحابى شيئا ? فإنى أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر " . وعلى من سمع شيئا من ذلك ألا يوسع الخرق على الراقع ? فرب كلمة شر تموت مكانها لو تركت حيث قيلت ! ورب كلمة شر سعرت الحروب ? لأن غرا نقلها ونفخ فيها ? فأصبحت شرارة تنتقل بالويلات والخطوب . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يدخل الجنة نمام " ? وفى رواية " قَتَّاتٌ". قال العلماء: هم بمعنى واحد. وقيل: النام الذى يكون مع جماعة يتحدثون فينقل عنهم ? والفتات ? الذى يتسمع عليهم من حيث لا يشعرون ثم ينمّ . وروى فى الحديث: "إن النميمة والحقد فى النار ? لا يجتمعان فى قلب مُسلم " . ومن لوازم الحقد سوء الظن ? وتتبع العورات ? واللمز ? وتعيير الناس بعاهاتهم ? أو خصائصهم البدنية والنفسية . وقد كره الإسلام ذلك كله كراهية شديدة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "مَن عَلِمَ من أخيه سيئة فسترها ? ستر الله عليه يوم القيامة". وقال: "من ستر على مؤمن عورة فكأنما أحيا موؤدة " . وكثيرا ما يكون متتبعو العورات لفضحها أشر إجراما ? وأبعد عن الله قلوبا من أصحاب السيئات المكتشفة ? فإن التربص بالجريمة لنشرها ? أقبح من وقوع الجريمة نفسها . وشتان بين شعورين ? شعور الغيرة على حرمات الله والرغبة فى حمايتها ? وشعور البغضاء لعباد الله والرغبة فى إذلالهم إن الشعور الأول قد يصل فى صاحبه إلى القمة ? ومع ذلك فهو أبعد ما يكون عن التشفى من الخلق ? وانتظار عثراتهم ? والشماتة فى آلامهم. وسلامة الصدر فضيلة تجعل المسلم لا يربط بين حظه من الحياة ومشاعره مع الناس ? ذلك أنه ربما فشل حيث نجح غيره ? وربما تخلف حيث سبق آخرون. فمن الغباء أو من الوضاعة أن تلتوى الأثرة بالمرء ? فتجعله يتمنى الخسار لكل إنسان ? لا لشيء ? إلا لأنه هو لم يربح ثم إن المسلم يجب أن يكون أوسع فكرة ? وأكرم عاطفة ? فينظر إلى الأمور من خلال الصالح العام ? لا من خلال شهواته الخاصة . وجمهور الحاقدين ? تغلى مراجل الحقد فى أنفسهم ? لأنهم ينظرون إلى الدنيا فيجدون ما يتمنونه لأنفسهم قد فاتهم ? وامتلأت به أكف أخرى . وهذه هى الطامة التى لا تدعُ لهم قرارا وقديما رأى إبليس أن الخطوة التى يتشهاها قد ذهبت إلى آدم ? فآلى ألا يترك أحدا يستمتع بها بعدما حرمها . "قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ? ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين".هذا الغليان الشيطانى هو الذى يضطرم فى نفس الحاقدين ويفسد قلوبهم ? وقد أهاب الإسلام بالناس أن يبتعدوا عن هذا المكر ? وأن يسلكوا فى الحياة نهجا أرقى وأهدأ . عن أنس بن مالك قال: كنا جلوسا عند النبى صلى الله عليه وسلم فقال: "يطلعُ الآن عليكم رجل من أهل الجنة ? فطلع رجل من الأنصار ? تنظف لحيته من وضوئه ? قد علق نعليه بيده الشمال ? فلما كان الغد قال النبى مثل ذلك ? فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى ? فلما كان اليوم الثالث قال النبى مثل مقالته أيضا ? فطلع ذلك الرجل على مثال حاله الأولى . فلما قام النبى تبعه عبد الله بن عمر وتبع الرجل فقال: إنى لاحيت أبى ? فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثا ? فإن رأيت أن تؤوينى إليك حتى تمضى فعلت ! قال: نعم . قال أنس: فكان عبد الله يُحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالى ? فلم يره يقوم من الليل شيئا ? غير أنه إذا تعار تقلب فى فراشه ذكر الله عز وجل حتى ينهض لصلاة الفجر قال عبد الله: غير أنى لم أسمعه يقول إلا خيرا . فلما مضت الليالى الثلاث وكدت أحتقر عمله ? قلت: يا عبد الله لم يكن بينى وبين أبى غضب ولا هجرة ? ولكنى سمعت رسول الله يقول لك ثلاث مرات: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث المرات فأردت أن آوى إليك. فأنظر ما عملك فأقتدى بك . فلم أرك عملت كبير عمل ! فما الذى بلغ بك ما قال رسول الله؟ قال: ما هو إلا ما رأيت ? قال عبد الله فلما وليت دعانى فقال: ما هو إلا ما رأيت ? غير أنى لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ? ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه. فقال عبد الله: هذه التى بلغت بك وفى رواية: "ما هو إلا ما رأيت يا ابن أخى ? إلا أنى لم أبت ضاغنا على مسلم". وقد حرَّم الإسلام الحسد ? وأمر الله رسوله أن يستعيذ من شرور الحاسدين لأن الحسد جمرة تتقدى فى الصدر ? فتؤذى صاحبها وتؤذى الناس به . والشخص الذى يتمنى زوال النعم آفة تحذر غوائها على المجتمع ? ولا يُطمأن إلى ضميره فى عمل . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يجتمع فى جوف عبد غبار فى سبيل الله وفيح جهنم. ولا يجتمع في جوف عبد ? الإيمان والحسد " . وقال: "إياكم والحسد ? فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " . والرجل الذى يكره المنعم عليهم ? ويود لو يمسون محرومين ويصبحون ضائعين ? رجل ضللته عن حقيقة الحياة ? ظلمات شتى . إنه أولا محصور بالدنيا ومتاعها ? يقاتل عليه ويبكى وراءه ? ويتبع بالغيظ من نالوا نصبا ضخما منه . وهذا خطأ فى تقدير الحياتين ? بل لعله جهل أو ذهول عن الحياة الأخرى وما ينبغى لها من استعداد ? يجب أن يتأهَّب المرء له ? ويأسى لفواته . قال الله تعالى: "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ? قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون" . ثم إن الحاسد بعد ذلك ? شخص واهن العزم ? كليل اليد ? جاهل بربه وبسننه فى كونه. ذلك أنه لما فاته الخير لأمر ما تحول يكيد للناجحين ! حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالكل أعداء له وخصوم وكان أجدى عليه أن يتحول إلى ربه ? يسأله من فضله ? فإن خزائنه ليست حكرا على واحد بعينه ? ثم يستأنف السعى فى الحياة بعدئذ . فلعل ما عجز عنه فى البداية يدركه ثانية ? إن هذا لا ريب أشرف من الضغينة على الآخرين. والبون بعيد بين الحسد والطموح ? وبين الحسد والغبطة ? وبين الحسد واستنكار العوج فى الأضاع والخلط فى المنع والعطاء .! فالطموح رغبة فى الرفعة وسعى إليها ? وذلك من شأن الصالحين من عباد الله . قال سليمان : "قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب" . وقال عباد الرحمن: "ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما" . والتطلع إلى فضل الله مع الأخذ فى أسباب اكتسابه شيء ? غير كراهية فضل الله عندما ينزل بإنسان معين . والغبطة رغبة المرء فى الحصول على نعمة مماثلة لما أكرم الله به الآخرين . ولما كان تطلع الإنسان إلى غيره ? قد يكون فتحا لأبواب الفتنة ? وتعلقا بالمنى الباطلة ? واشتهاء لما يحسبه الشخص نافعا له ? وهو فى الحقيقة ضار به ? أرشد الإسلام إلى ما ينبغى طلبه ? والتنافس فيه ? فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا حسد إلا فى اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته فى الحق ? ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويُعلمها " . والحسد فى الحديث: تمنى مثيل النعمة ? لا تمنى زوالها . والمقصود أن يكون المثل الأعلى الذى يستهدفه الإنسان جليلا رائعا ? فإن من سقوط الهمة أن ترتبط الآمال بالتافه من الأحوال.. وهناك شئون يعتبر التشبث بطلبها عبثا لا يورث إلا الحسرة ? وقد ينتهى بالحقد على الناس ? لا لشيء إلا لأن الله خصهم بمواهب فطرية أو بمنافع تقوم على هذه المواهب . وفى هذه الشئون وأمثالها يقول الله تعالى: "ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما".وأما استنكار العوج فى الأوضاع ? فهو إقرار للعدالة الواجبة ? وليس من قبيل الحسد المذموم . فإذا غضبنا لأن هذا أخذ الكثير على جُهد قليل ? أو رفع إلى درجة لا ترشحه لها كفايته ? فهذا الغضب مفهوم ومحمود ? وهو ضرب من رعاية المصالح العامة ? لا صلة للحقد الشخصى به . إن الإسلام يتحسس النفوس بين الحين والحين ? ليغسلها من أدران الحقد الرخيص ? وليجعلها حافلة بمشاعر أزكى وأنقى نحو الناس ونحو الحياة . فى كل يوم ? وفى كل أسبوع ? وفي كل عام تمر النفوس من آداب الإسلام فى مصفاة تحجز الأكدار ? وتنقى العيوب ? ولا تبقى فى الأفئدة المؤمنة أثارة من ضغينة. أما فى كل يوم ؛ فقد أوضح الإسلام أن الصلوات المكتوبة لا يحظى المسلم بثوابها إلا إذا اقترنت بصفاء القلب للناس ? وفراغه من الغش والخصومات . قال رسول الله : " ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رءوسهم شبرا: رجل أمَّ قوما وهم له كارهون ? وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط ? وأخوان مُتصارمان " . وأما فى كل أسبوع ? فإن هناك إحصاء ما يعمله المسلم ? ينظر الله فيه ليحاكم المرء إلى ما قدمت يداه ? وأسرَّه ضميره ? فإن كان سليم الصدر نجا من العثار ? وإن كان ملوثا بمآثم الغضب والحسد والسخط ? تأخر فى المضمار . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "تُعرض الأعمال فى كل اثنين وخميس: فيغفر الله عز وجل فى ذلك اليوم ولكل امرىء لا يشرك بالله شيئا ? إلا امرءا كانت بينة وبين أخيه شحناء فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا " . وأما فى كل عام فعبد تراخى الليالى وامتداد الأيام ? لا ينبغى أن يبقى المسلم حبيسا فى سجن العداوة ? مغلولا فى قيود البغضاء . فإن لله فى دنيا الناس نفحات لا يظفر بخيرها إلا الأصفياء السمحاء! ففى الحديث: "إن الله عز وجل يطلع على عباده ? ليله النصف من شعبان فيغفر للمستغفرين ? ويرحم المسترحمين ? ويُؤخرُ أهل الحقد كما هم " فمن مات بعد هذه المصافى المتتابعة ? والبغضاء لاصقة بقلبه لا تنفك عنه ? فهو جدير بأن يصلى حر النار فإن ما عجزت الشرائع عن تطهيره ? لا تعجز النار عن الوصول إلى قراره ? وكى أضغانه وأوزاره . . والشحناء التى كرهها الإسلام وكره ما يدفع إليها أو ينشأ عنها ? هى التى تنشب من أجل الدنيا وأهوائها ? والطماعية فى اقتناص لذائذها والاستئثار بمتاعها . أما البغض لله ? والغضب للحق ? والثورة للشرف ? فشأن آخر . . وليس على المسلم جناح فى أن يقاطع حتى الموت ? من يفسقون عن أمر الله ? أو يعتدون على حدوده ? وليس عليه من لائمة فى أن يُكن لهم البغضاء ? ويعالنهم بالعداء. بل إن ذلك من أمارات الإيمان الصحيح. والإخلاص لله وحده . وقد أمر الله عر وجل أن نجافى أعداءه ? ولو كانوا أقرب الناس إلينا : "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان و من يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون" . وابتعاد المسلم عمن تسوء صحبتهم أو من يغرون بالتهاون والهزل واجب . وابتعاده عمن أخطأ فى حق الله عقابا له ? إلى أجل محدود أو ممدود ? لا شىء فيه ? فقد هجر النبى بعض نسائه أربعين يوما ? وهجر عبد الله بن عمر ولدا حتى مات ؛ لأنه رد حكما لرسول الله ? كان أبوه يرويه فى إباحة خروج النساء إلى المساجد...
من كتاب خلق المسلم للشيخ محمد الغزالي بتصرف بسيط