الموت الحقيقي
كيف يشك المرء في الموت؟
كيف يقال عن الموجود القاهر إنه بلا وجود, إن مظاهر الموت من سكون وتوقف لأجهزة الجسد أمر لا يمكن الشك فيه, ولكن حقيقة الموت مازالت غامضة جدا, إن الجسد يتحلل ويصير ترابا وينضم إلي تراب الأرض.. هذا مفهوم, لكن هناك شيئا آخر.
إن هناك أفكارا لا تموت تتمزق أجساد أصحابها أو يقتلون أو يموتون بشكل طبيعي, ولكن أفكارهم لا تموت تظل قائمة في الحياة, وتظل تحرك الناس, وتظل تعمل.. بل إن الموت أحيانا ينفخ في أفكار الراحلين روحا يجعلها تعمل بكفاءة أكبر من الكفاءة التي كانت تعمل بها في أثناء حياة أصحابها.. كيف تفسر لنا على هذا الضوء موت الرسول صلى الله عليه وسلم منذ ما يقرب من أكثر من1400 سنة, وملايين المسلمين يتحركون وفقا لأوامر نبي انتقل إلى الرفيق الأعلى.
تأمل الحج والعمرة والصلاة والصيام والزكاة والتوحيد, وكل ما تحب أن تتأمله من مظاهر العبادة أو حقيقتها.. تأمل هذا كله.. أليست هذه أفكارا أوحى الله تعالى بها لبشر مات, كما يموت البشر, وبرغم موته مازالت الفكرة تعمل وتحيا وتصارع.. كيف يمكن تصديق فكرة الموت إذا كانت الأفكار المضيئة لا تموت.. هل الحياة حركة أجساد أم حركة أفكار؟ هل الدنيا تموج بالأجساد أم تموج بالأفكار التي تخدمها الأجساد؟
إن الأجساد تبلى كما تبلى الثياب, ولكن الفكرة المضيئة لا تموت, ما الذي يخيفنا إذن من الموت؟ هل يخاف الإنسان إذا بلي قميصه فخلعه؟.
إن الموت الحقيقـي هو الجهل, وما سواه من صور الموت ليس غير تبديل
للأردية والملابس.